نَعَم لتعلُّم قول "لا"

نَعَم لتعلُّم قول "لا"
المؤلف محمد الكوزي
تاريخ النشر
آخر تحديث


كثيرٌ من الناس، بسبب عدم جرأتهم على قول "لا" للآخرين أو عدم قدرتهم على الرفض حين لا يناسبهم الأمر، أو حين يدركون أنّ الطلب يفوق طاقتهم أو وقتهم — لا سيّما إذا جاء هذا الطلب من الأهل أو الأصدقاء أو في بيئة العمل — يقعون في مأزِق قَبُول طلبات ومهام كان بإمكانهم ببساطةٍ رفضها.

غير أنّهم يُقدِمون على قبولها بدافع المجاملة أو الخوف من جرح مشاعر الآخرين، أو خَشْيَة أن يُنظَر إليهم بوصفهم أنانيّين أو غير متعاونين. ومع تراكم هذه الالتزامات، يُصيبهم الإرهاق ويتولّد لديهم شعورٌ بالضغط والتوتّر، وربما يضمرون الاستياء تجاه مَن طلب ذلك منهم، مع أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في عجزهم عن وضع حدودٍ واضحة منذ البداية.

وهنا تتجلّى المفارقة: فهم يُرضون الآخرين على حساب أنفسهم، ثم يلومونهم سرًّا على تحميلهم فوق طاقتهم، وينسون أنّ الناس سيُواصلون الطلب ما داموا يجدونك مستعدًّا للعطاء دون اعتراض، وأنّ الصمت عن الرفض يُفهَم عادةً بوصفه قبولًا واستعدادًا دائمًا. وحين يصل الأمر ذروته ويقرّر الشخص أخيرًا قول "لا"، تأتي هذه الكلمة صادمةً للآخرين الذين لم يعتادوها منه، فيَنْعَتونَه بالتغيّر أو بالبرود أو الفتور، أو بأنّه لم يَعُد كما كان.

ذلك لأنّه اختار، طيلة الوقت، إظهار نسخته المُطيعة لا حقيقته الإنسانية التي يحقّ لها أن ترفض وتُعبّر عن حدودها، وتقول "كفى" عند الشعور بالإنهاك أو الظلم.

إنّ هذه المفارقة تُعلّمنا درسًا مهمًّا: أنّ تعليم الآخرين احترام حدودنا يبدأ منذ اللحظة التي نُعبّر فيها عن تلك الحدود بوضوح، لا عند انفجارنا بعد صمتٍ طويل.

علينا أن نُوضّح منذ البداية أنّنا لا نقدر على إرضاء الجميع، ولا على تلبية كل طلب، ولا أن نكون متاحين دومًا؛ وهذا عين الصدق لا الجفاء. إنّ قول "لا" في الوقت المناسب يُعزّز من احترامنا لذواتنا، ويُعلِّم الآخرين أنّنا بشرٌ أصحاب طاقاتٍ محدودة ونملك 24 ساعة مثلهم، وأنّنا لا نعيش فقط لتلبية مطالبهم.

أهمية قول "لا"

قد يتساءل البعض: لماذا ينبغي لنا قول "لا" أو الرفض إذا كان الأمر لا يناسبنا، أو لا يعود علينا بفائدة؟ والإجابة أنّكم حين تقولون "لا"، فإنّكم تُحافظون على وقتكم وطاقتكم، وتُتيحون لأنفسكم التركيز على ما هو أكثر أهميةً بالنسبة إليكم. كما أنّ ذلك يُقيكم الإرهاق والتوتّر؛ إذ إنّ الموافقة على طلبٍ يفوق حدودكم أو وقتكم تُضيف عليكم أعباءً غير ضروريّة.

إلى جانب ذلك، يُساعدكم الرفض على احترام حدودكم الشخصيّة وتعليم الآخرين احترامها؛ فهو يُظهر لهم أنّ لديكم استقلاليّة وقدرة على اتّخاذ قراراتٍ تُعبّر عن أولويّاتكم من دون تردّد. ويجنّبكم أيضًا الموافقة على أمورٍ تتعارض مع قناعاتكم أو مصالحكم الخاصّة، كما يحميكم من فخ إرضاء الآخرين، وهو فخٌّ غالبًا ما يُوقع صاحبه في محاولةٍ لا تنتهي لإرضاء الجميع على حساب نفسه، مع العلم أنّ إرضاء الجميع أمرٌ مستحيلٌ في نهاية المطاف.

عندما تتّخذون خطوة قول "لا"، فقد يرى بعض الناس أنّكم أشخاصٌ سيّئون أو يزعمون أنّ "حقيقتكم ظهرت"، لكن حذارِ من الانخداع بهذه الأقاويل. فعندما يعجز الناس عن استغلالكم كما اعتادوا، قد يُطلِقون عليكم شتّى النعوت، لا لأنّكم تغيّرتم فعلًا، بل لأنّكم لم تعودوا تخدمون مصالحهم.

إنّ مَن يُطلِق مثل هذه الاتهامات لا يهمّه من تكونون، بل ما يُمكن أخذه منكم: فإذا لبّيتم طلباته كنتم "طيّبين"، وإن رفضتموها أو وضعتم حدودًا صرتم "أنانيّين" أو "متكبّرين". لذا لا تجعلوا كلام الناس معيارًا لقيمتكم؛ فأنتم لستم مُلزَمين بإرضاء الجميع، ولا بتقديم أنفسكم قرابين على مذبح توقّعاتهم.

معوقات قول "لا"

كثيرًا ما تُراوِد الإنسانَ أفكارٌ تتعلّق بقول "لا"، من قبيل: "لو لبّيتُ طلبه، لعاملني معاملةً أفضل؟" أو تنشأ مشاعرُ بالذنب لأنّ الرفض ربّما يُفقده تقدير الآخرين أو حبّهم. وهنا تكمن الخدعة؛ فيقع البعض في شرك التساؤلات التي تضغط عليهم نفسيًّا فتدفعهم إلى العودة للسلوكيّات القديمة بإرضاء الآخرين على حساب ذواتهم.

آخرون يخشون فُقدان مَن حولهم إن قرّروا الرفض، فتتجلّى فكرة أنّ العَلاقة قائمةٌ بالأساس على تلبيّة الرغبات، وكأنّ استمرار العَلاقة مقرونٌ بالعطاء المُستمِرّ. والحقيقة أنّ علاقةً كهذه ليست صحيّة إذا كانت ترتكز فقط على مدى ما تُقدّمه للطرف الآخر.

ومع ذلك، يُصبح قول "لا" ضرورةً ملحّةً إذا تعارض الطلب مع قيمكم أو مبادئكم، أو تجاوز حدود طاقتكم وقدرتكم، أو إن أدّى إلى الإضرار بصحّتكم النفسيّة أو الجسديّة، أو أثّر في أدائكم الوظيفيّ، أو كانت الطلبات متكرّرةً على نحوٍ مُستنزِف. ففي هذه الأحوال، تظهر أهميّة الرفض لتقيكم من الاستغلال وتضع حدودًا صحيّة تحفظ لكم جودة حياتكم ورفاهيّتكم.

وفي السياق ذاته، قد يتجنّب البعض رفض طلبات تفوق طاقتهم؛ لأنّهم نشؤوا في بيئةٍ تفرض عليهم إرضاء الجميع بأيّ ثمن، أو تربَّوا على وجوب مُساعدة الآخرين باستمرار، فيُخالون أنّ الرفض خيانةٌ أو تجاهلٌ لمشاعرهم. لكنّ الحقيقة أنّ هذا النمط يُكرِّس التوتّر في حياة الفرد، إذ يضع احتياجات الآخرين فوق احتياجاته الخاصّة، ما يُؤدّي إلى إهمال ذاته. وقد يخشى آخرون الرفض الاجتماعيّ أو العزلة إذا قالوا "لا"، مُعتقدين أنّ علاقاتهم بالناس مرهونةٌ بتلبية رغباتهم. والحال أنّ العلاقات الصحيّة لا تقوم على التضحيات الدائمة ولا على إرضاء الآخرين على حساب الذات، بل تُبنَى على أسسٍ من التفاهم والاحترام المُتبادلين؛ إذ يُمكننا أن نُحبّ الآخرين ونُساعدهم، من غير أن نُضحّي بصحّتنا الجسديّة أو النفسيّة.

نصائح عمليّة لقول "لا" بدبلوماسيّة

في ما يلي نصائح عمليّة لقول "لا" بدبلوماسيّة:

استخدام عبارات مهذّبة ومُحترمة

على غرار: "لا أستطيع مساعدتك الآن؛ لديّ التزاماتٌ أُخرى." فالأسلوب المُهذّب للرفض يُخفّف من وطأة كلمة "لا" على الطرف الآخر، ويُظهر أنّك ترفض بدافع الانشغال لا اللامبالاة. يُمكن الاستعاضة بتعبير: "أتمنّى لو أستطيع، غير أنّ لديّ التزاماتٍ مسبقة."

تقديم بدائل عند الضرورة

مثل القول: "لا أقدر على مُساعدتك حاليًّا، لكن أقترح عليك شخصًا آخر لديه وقتٌ كافٍ ويمكنه العون." إنّ اقتراح البديل يُبرِز رغبتك في المساعدة في واقع الأمر، ويُخفّف حدّة الرفض.

التفريق بين الحالات الطارئة وغيرها

فلا يُقابَل كل طلب بالرفض آليًّا. في بعض المواقف، لا بأس بتقديم بعض التنازلات إذا كانت هناك ظروفٌ طارئة تستلزم تدخّلك؛ كمحنةٍ لصديق مقرّب أو حادثٍ يتطلّب حضورك. لكن لا بُدّ أن يكون هذا الاستثناء نابعًا من اختيارٍ حرّ لا من ضغطٍ أو شعورٍ بالذنب.

الصراحة دون وقاحة

عبّروا عن موقفكم بوضوحٍ واحترام، دون مراوغة أو اختلاق أعذارٍ واهية. يكفي قول: "لا أملك الوقت الكافي فِي الْوَقْتِ الْحالِيِّ" أو "طاقتي لا تسمح لي بذلك الآن."

تجنّبوا الإحساس المُبالَغ به بالذنب

من الطبيعي أن تشعروا ببعض التوتّر عند الرفض إن اعتدتم إرضاء الجميع، لكن تذكّروا أنّ رفضَ طلبٍ لا يجعلكم أشخاصًا سيّئين؛ بل يدلّ على أنّ لديكم أولويّات ينبغي احترامها.

التدرّب على قول "لا"

كأيّ مهارة، يحتاج الرفض إلى ممارسةٍ مستمرّة. ابدؤوا بالتدرّب في المواقف البسيطة، كرفض دعوةٍ غير مناسبةٍ أو مهمّة إضافيّة لا وقت لديكم لإنجازها. يُمكنكم التدرّب أمام المرآة أو تسجيل عبارات رفضٍ موجزة ولطيفة وإعادتها بصوتٍ عالٍ.

عدم الإسهاب في التبريرات

فالإفراط في تقديم التبريرات يُوحي بضعف موقفكم، وقد يصل بالطرف الآخر إلى مضاعفة الضغط عليكم. يكفي توضيحٌ بسيطٌ كالقول: "آسف، لديّ التزاماتٌ أخرى."

تجنّب الوعود التي لا تستطيعون الوفاء بها

فلا تقولوا "نعم" بدافع الخجل أو الحرج وأنتم تعلمون في قرارة أنفسكم عدم قدرتكم على التلبية. هذا النوع من المجاملة قد يُريح الطرف الآخر مؤقّتًا، لكنّه يُفقدكم المصداقيّة ويُرهقكم عند محاولة الوفاء بما وعدتم.

تقبّل ردود فعل الآخرين

لن يتقبّل الجميع رفضكم بسهولة؛ فقد يُحاول بعضهم الضغط عليكم باللوم أو العتاب. لكنّه في النهاية لا يعني أنّكم مُخطئون، ما دمتم احترمتم حدودكم وعبّرتم بلطفٍ ووضوح.

عدم ربط قيمتكم الذاتيّة بمدى تلبيتكم للطلبات

تذكّروا أنّ قيمتكم لا تُختَصَر فيمَا تُقدّمونه للآخرين أو فيما تلبّونه من رغباتهم. إنّ احترامكم لأنفسكم يبدأ من إقراركم بحدودكم وقدراتكم، وليس من رضا الآخرين عنكم.

التذكير بأنّ "لا" لا تعني الوقاحة

إنّ رفض الطلب ليس سوى وسيلةٍ للتعبير عن حدودٍ صحيّة تحترم وقتكم وطاقتكم. وقد تكون كلمة "لا" هي أكثر الأفعال احترامًا لأنفسكم وللآخرين إذا كان الطلب يفوق قدرة الإنسان الطبيعيّة.

إعادة صياغة مفهوم العلاقات الإنسانيّة

فالعلاقات لا ينبغي أن تقوم فقط على تلبية احتياجات الآخرين على حساب ذواتنا، بل على الاحترام والتفاهم المُتبادلين. في العَلاقة السليمة، لا يُطلَب من أحد الطرفين التضحية بلا حدود، بل تُتاح لكل طرف مساحةٌ من الأخذ والعطاء تُحافظ على توازنه وسلامته.

خلاصة القول

 إنّ قول "لا" ينطوي على فوائد جَمّة، ومنها حماية الصحّة النفسيّة والجسديّة، وتعزيز الثقة بالنفس... لذا، نعم، ينبغي لنا أن نتعلّم كيف ومتى نقول "لا". ومع ذلك، لا ينبغي الإفراط في الرفض. فالحكمة تكمن في الموازنة، وفي أن نعرف متى نقول "لا" ومتى نقول "نعم"، ومتى نُقدّم المساعدة تقديرًا للآخرين دون المساس بصحتنا النفسيّة. يُمثّل قول "نعم" في الموضع الملائم قيمةً كبيرة، غير أنّ "لا" تغدو ضروريّةً عندما تتجاوز الأمور حدود طاقتنا أو تَمَسّ قيمنا.