الفرق بين النقد البنّاء والنقد الهدّام

الفرق بين النقد البنّاء والنقد الهدّام
المؤلف محمد الكوزي
تاريخ النشر
آخر تحديث


في الحياة التي نحياها؛ مهما بذلنا من جهدٍ أو امتلكنا من مواهب وقدراتٍ يفتقر إليها كثيرٌ من الناس، فإنّنا لا مفرّ من التعرّض للنقد. وليست المشكلة الحقيقية في النقد نفسه، بل في ذلك النوع المُسمّى بـ"النقد الهدّام" الذي يسعى أصحابه للنيل منّا وإحباطنا، دون تقديم تصويبٍ أو حلولٍ بنّاءة.

إنّ مرادهم هو التقليل من شأننا وزرع الشكّ في نفوسنا فحسب. وعلى النقيض من ذلك، ينبغي لنا أن نكون منفتحين على النقد البنّاء، ذلك الذي يهدف إلى دفعنا نحو الرقيّ والتقدّم.

أمّا عن نفسي فأنا أُفضّل تلقّي النقد، سواء أكان بنّاءً أم هدّامًا، على أن يُوجَّه إليّ مديحٌ أجوف لا أستحقّه؛ لأنّ المديح الكاذب بمنزلة سُمٍّ يُثبّتنا في مكاننا، وقد يكون أشدّ ضررًا حتّى من النقد الهدّام. في حين يدفع النقد البنّاء مَن يسعون إلى تطوير ذواتهم إلى التقدّم بثقةٍ وثبات.

النقد: بين التهذيب والتخريب

ولكن ما المقصود بالنقد؟ إنّه ببساطة عمليّةٌ يقوم بها فردٌ أو جماعة، إمّا لرفعنا خطواتٍ إلى الأعلى، وإمّا للتقليل من شأننا. فقد يأتي على شكل تعليقٍ، أو تعقيبٍ، أو رأيٍ حول سلوكياتنا، أو آرائنا، أو أفكارنا، أو مواقفنا، أو أسلوب أدائنا في العمل. ومن هنا يتّضح لنا أنّ هناك نوعين من النقد:

  1. نقدٌ بنّاء: يهدف إلى تسليط الضوء على الأخطاء بطريقةٍ إيجابيّة، تُعيننا على تطوير أنفسنا وصقل مهاراتنا.
  2. نقدٌ هدّام: لا يرى فينا إلّا السلبيّات فحسب، ولا يُلحَق بأيّة حلولٍ أو ملاحظاتٍ موضوعيّة، ودافعه في الغالب إمّا الحسد، وإمّا الرغبة في الإحباط، وإمّا مجرّد الانتقاد من أجل الانتقاد.

المؤسف أنّ جمهورًا من الناس، بحكم جهلهم، لا يُدركون معنى النقد الحقيقي؛ فلسان حالهم يختصره لفظ "انتقاد" فقط، من دون أن ينتبهوا إلى أنّ النقد الحقيقي لا بدّ أن يكون موضوعيًّا وعقلانيًّا، وأن ينطلق من مقاصدٍ نبيلةٍ أو نوايا صادقةٍ تهدف إلى التطوير والتحسين، لا مجرّد إبراز العيوب أو التقليل من الآخرين دون طرح حلول.

لا بدّ أن يستند النقد الحقّ إلى ملاحظاتٍ دقيقةٍ، وأدلّةٍ منطقيّة، مع نيّةٍ حسنةٍ تبتغي مُساعدة الطرف الآخر على التقدّم، لا أن يُمثّل أداةً للهدم والتثبيط.

قد يقول قائلٌ: "لسنا بحاجةٍ إلى النقد، فنحن أدرى بأحوالنا الشخصيّة." لكنّني لا أتّفق مع هذا الرأي؛ ذلك أنّ كلّ فردٍ منّا بحاجةٍ إلى قدرٍ من النقد بين الحين والآخر، شريطة أن يكون نقدًا بنّاءً، فيُساعدنا على تصويب الأخطاء التي نغفل عنها، وتطوير مهاراتنا، وتوسيع نطاق تفكيرنا.

إذ إنّ مُلاحظات الآخرين الصادقة والعادلة تُبرز لنا زوايا قد لا نلتفت إليها بمفردنا، وتدلّنا على مواضعٍ في أشدّ الحاجة للتحسين. فالرياضي لا يستغني عن مدرّبٍ يُوجّهه، والفنّان يحتاج إلى ناقدٍ ماهرٍ يسهم في صقل موهبته، ونحن جميعًا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى ملاحظاتٍ بنّاءةٍ تدفعنا نحو الأفضل. وفي حياتنا اليوميّة، غالبًا ما نحتاج إلى آراء المحيطين بنا كي نرى "الصورة الكاملة"، فمَا يغيب عن بصيرتنا يتجلّى في أعين الآخرين.

حين علّمني النقد كيف أرى نفسي من جديد

وعن تجربتي الشخصيّة، فقد ساعدني النقد – سواء البنّاء منه أو الهدّام – على إعادة النظر في كثيرٍ من الأمور التي كنت أعدّها مسلَّماتٍ لا تقبل النقاش، فضلًا عن تطوير ذاتي بوتيرةٍ لم أتوقّعها. فالنقد البنّاء كان حافزًا لي على تحسين مهاراتي وتصحيح عثراتي، فيمَا منحني النقد الهدّام (بالرغْم من منطلقه السلبي) مناعةً ضدّ الإحباط وعلّمني كيف أُميِّز الآراء القيّمة عن تلك التي يُستحسن تجاهلها. ففي كلّ نقدٍ فرصةٌ للتعلّم، وإن قُدّم بأسلوبٍ سيّئ.

إنّ النقد، لا سيّما النقد البنّاء، يعود علينا بفوائد جمّة؛ فهو يُعرّفنا بمواضع ضُعفنا، ويُعيننا على تصحيحها، ويفتح لنا آفاق إدراكٍ أعمق لأفكارنا ومواقفنا، ويُكسبنا مرونةً في التعامل مع الرؤى المُختلفة. كما يُسلّط الضوء على الجوانب التي ينبغي أن نُطوّرها، ويدفعنا نحو تحمّل مسؤولية أفعالنا وقراراتنا، ويحثّنا بلا انقطاعٍ على رفع سقف طموحاتنا. ناهيك بأنّه يُحرّرنا من الوقوع في الأخطاء أو يُقلّل منها على أقلّ تقدير.

ومن غير شكّ، ليس لنا أن نخجل من التعرّض للنقد ما دمنا بشرًا معرّضين للأهواء، إذ يظنّ بعضنا أنّه يعلم كلّ شيء، والحقيقة أنّنا – في حالاتٍ عدّة – لا نعرف أنّنا نجهل، وهو ما يُسمّى بالجهل المركّب.

دلائل النقد البنّاء وسمات النقد الهدّام

قد يطرح أحدكم سؤالًا مُهمًّا: "كيف نُميّز إذن بين النقد البنّاء والنقد الهدّام؟"

باختصار، النقد البنّاء هو النقد الذي يقدّمه شخصٌ بنيّةٍ صادقةٍ تهدف إلى الإسهام في تحسّنكم، ويرتكز على الموضوعيّة والأدب. فهو يُوجّه ملاحظاته إلى أفعالكم لا إلى ذواتكم، ويُقدَّم بأسلوبٍ مهذّبٍ خالٍ من الشتائم أو التشهير، وغالبًا ما يرافقه اقتراحاتٌ أو حلولٌ لتفادي الأخطاء أو إصلاحها.

ومن العوامل الأخرى التي تميّز النقد البنّاء اختيار الوقت المناسب والمكان الملائم الذي يحفظ لكم مكانتكم؛ إذ ليس من الحكمة انتقاد شخصٍ في لحظة غضبٍ أو حزنٍ أو أمام جمعٍ كبيرٍ من الناس، حتّى لا يشعر بالمهانة فيصدّ أيّ شيءٍ أو كلّ ما يُقال له.

أمّا النقد الهدّام فهو خلاف ذلك؛ إذ يستهدف شخصك صراحةً بدل التركيز على الفعل أو الخطأ، وينطق أصحابه بنبرةٍ لاذعةٍ وغالبًا ساخرة، دون أدنى نيّةٍ للإصلاح. إنّهم لا يطرحون حلولًا أو بدائل إيجابيّة، ويحرصون على انتقاصك أو تقزيمك أمام الغير، مُتعمّدين إحراجك. بذلك، لا يُسهمون في بناء قُدراتك، بل يدفعونك إلى الإحباط وربّما الشعور بالعار.

من يودّ التمييز بين هذين النوعين من النقد، بإمكانه أن يسأل نفسه:

• هل سيُعينني هذا النقد على التحسّن؟

• هل صيغ بصيغةٍ منطقيّةٍ ومحترمةٍ؟

• هل يتضمّن حلولًا أو خُطواتٍ لتصويب الأخطاء؟

فإن كان النقد بنّاءً، فافتحوا له صدوركم واستفيدوا منه. وإن كان هدّامًا، فاضربوا به عُرْضَ الحائط ولا تسمحوا له بأن ينال من ثقتكم بأنفسكم؛ إذ سيكون الناقد الهدّام قد نال مراده إن نال من معنويّاتكم.

لماذا يتحوّل النقد إلى هجومٍ شخصي؟

وربّما تتساءلون عمّا يدور حول النقد في بعض المجتمعات؛ إذ يغدو كلّ نقدٍ فيها – مهما كان واعيًا ولطيفًا – أشبه بإعلان حربٍ أو قلّة احترام.

يحدث هذا بسبب مفاهيم اجتماعيّة غير سليمةٍ أو تحسّسٍ مفرطٍ حيال الآراء المُختلفة. والبعض يختزل النقد في كونه هجومًا شخصيًّا، في حين أنّ النقد البنّاء أداةٌ للنموّ والتحسين، بشرط أن يصدر عمّن يملك المعرفة أو لديه معرفة واسعة ويفهم الأمور. وفي ثقافاتٍ أُخرى، يتلفّع النقد بمديحٍ مخادعٍ خوفًا من أن يُتَّهَم صاحبه بالعدائيّة، لكنّ هذا الأسلوب يفقده نفعه ويطمس صراحته.

وفوق ذلك، هناك من لا يُحسنون النقد؛ فإذا اعترضتَ عليهم أو أشرتَ إلى فجور أسلوبهم، ادّعوا أنّ نواياهم حسنة، غير أنّ أسلوبهم كفيلٌ بهدم ما يقولون. إذ من أراد حقًّا أن يُصلح لا يلجأ إلى التشهير بالآخرين وسبّهم في العلن، بل يُقدّم نقده على انفرادٍ وبطريقةٍ لا تجرّح ولا تزعزع الثقة بالنفس. أمّا من لا يُفرّق بين النقد البنّاء والهدّام ويكتب أو ينطق بغلظةٍ وهجومٍ شخصي، فإنّه يُدمِّر الآخرين عوضًا عن توجيههم وتقويمهم.

فنّ التعامل مع النقد الهدّام دون أن نخسر أنفسنا

قد يقول قائلٌ: "حسنٌ، لكن كيف نتعامل مع النقد الهدّام دون أن يُلحق بنا ضررًا؟" والجواب أنّ التعامل مع هذا النوع من النقد لا يخلو من الصعوبة؛ فهو يتطلّب رويّةً وصبرًا وفهمًا للشخص المُنتقِد. وعلى سبيل المثال، فإنّ عدم الردّ الفوري يُتيح لكم فرصةً لتجنّب الوقوع في فخّ التسرّع. وقد تجدون الهدوء في مُواجهة السخافات أقوى الأسلحة؛ إذ يعجز صاحب النقد الهدّام عن استثارتكم. وإن لزم الرّد، فتحدّثوا بأسلوبٍ راقٍ ومتزن، دون المساس بشخصه. اكتفوا بتفنيد كلامه بهدوء، أو تجاهلوه تمامًا إن وجدتم أنّه لا يستحقّ أدنى اكتراث. وإن كان في كلامه شيءٌ من الحقيقة، فلا تستهينوا بها، وناقشوه بمنتهى الموضوعيّة؛ فعلى الرغم من سلبيّة الناقد الهدّام، فقد تحتوي ملاحظاته على جزئيّة صحيحة تستحقّ الاهتمام. وفي أغلب الأحوال، يُعدّ السكوت عن الإساءة خيرًا من الانخراط فيها.

لا تنسوا أنّ كثيرًا من الأشخاص الذين يُقدّمون نقدًا هدّامًا يُظهرون عجزهم الشخصي، فتراهم يُخرجون حقدهم بتوجيه سهام الإهانة لمن حولهم. شخصيًّا، أتعاطف مع هؤلاء؛ إذ إنّهم مثقلون بمشاعر الفشل أو الغَيْرَة، ويختارون هدم الآخرين بدلًا من بناء أنفسهم.

ثماني مبادئ تجعل نقدك وسيلةً للإصلاح لا للإيذاء

أمّا إذا رغبنا حقًّا في صقل أسلوبنا النقديّ وتحويله إلى أداةٍ لا تُسيء للآخرين ولا تُضعفهم، بل تُرشدهم إلى الطريق الصحيح، فلا بدّ من الالتزام بجملة مبادئ، أبرزها:

  1. حُسن النيّة: ليكن هدفك الإسهام في تحسين الآخر لا التشفّي أو الإحراج.
  2. الموضوعيّة: التركيز على السلوك أو الفعل عوضًا عن الحكم على جوهر الإنسان.
  3. اختيار التوقيت والمكان المناسبين: لا تنتقد أحدًا وهو في حالةٍ انفعاليّةٍ، ولا تُحرجه أمام جمعٍ غفيرٍ من الناس.
  4. انتقاء الألفاظ: استخدم أسلوبًا راقيًا؛ فلا يُصلح النقد ما تفسده الشتائم أو الكلمات الحادّة.
  5. الإشارة إلى إيجابيّات الشخص قبل ذكر سلبيّاته: إبراز الإيجابيّات قبل ذكر السلبيّات، لأنّ ذلك يُهيّئ الشخص لتقبّل الملاحظات دون حرجٍ أو دفاعيّة.
  6. تجنّب التعميم: الابتعاد عن العبارات المطلقة مثل "أنت دائمًا" أو "أنت لا تفعل شيئًا صحيحًا أبدًا."
  7. ضرب الأمثلة الواقعيّة: حتّى يعي الشخص مواضع خطئه بوضوح.
  8. اقتراح حلولٍ عمليّة: فالنقد بلا بدائل يترك الإنسان حائرًا، في حين النقد البنّاء يُرشده إلى مسارات الإصلاح والتعديل. لا تكتفوا بوصف المُشكلة من دون رسم طريقٍ واضحٍ للخروج منها.

خلاصةُ القول

إنّ النقد – بشقَّيْه البنّاء والهدّام – لا غنى لنا عنه؛ فالنقد البنّاء يرفع من أدائنا ويضعنا على طريق التطوّر، في حين يكشف النقد الهدّام عن وجوهٍ تحمل أحقادًا مكبوتة. وفي كلَا الحالين، نبقى الرابحين إذا أحسنّا تحويل كلِّ نقد، مهما كان مؤلمًا أو ظالمًا، إلى درسٍ نستقي منه الفائدة.

أمّا من أراد التغيير، فعليه ألّا يهرب من النقد أو يكمِّم الأفواه، بل يتعامل بحكمةٍ مع كلِّ ملاحظةٍ ترده؛ فإن كان النقد بنّاءً، فليفتح له صدره شاكرًا، وإن كان هدّامًا، فلتكثر لديه سُبُل التجاهل ونبذ ألسنةٍ لا تُجيد إلّا النباح. ولا يزال المثل القديم ينطق بالحقيقة: "القافلة تسير والكلاب تنبح"؛ فلن تقدر تلك النباحات على إيقافنا عن تحقيق أهدافنا وصعود درجات النجاح دَرَجًا دَرَجًا.