كيف تصبح أفضل نسخة من نفسك؟

كيف تصبح أفضل نسخة من نفسك؟
المؤلف محمد الكوزي
تاريخ النشر
آخر تحديث


البشرُ بطبيعتِهم يسعونَ دائمًا نحو تحسينِ حياتِهم، ولو كانوا يعيشونَ في راحةٍ وهناءٍ. وهذا السعيُ ليس عيبًا، بل هو أمرٌ محمود؛ إذ بهِ يتطوّرُ الإنسانُ ويجعلُ حياتَه أكثرَ يُسرًا. غير أنّ معظمَ الناس لا يدرونَ كيف يُحدِّثون نُسختهم القديمةَ ليُصبحوا الأشخاصَ الذين يطمحونَ إلى أن يكونوا.

وهنا يبرزُ تساؤلٌ مشروعٌ: كيف نكونُ أفضلَ نسخةٍ من أنفسِنا؟ وهل يعني ذلكَ السعيَ إلى الكمال، أم هي رحلةٌ لا تنتهي إلّا بانتهاءِ الحياةِ على هذه الأرض؛ بهدفِ تحسينِ ما نستطيعُ تحسينَه من جوانبِ حياتِنا دون الالتفاتِ إلى ما لا نملكُ القدرةَ على تغييره، كطولِ القامة أو لونِ البَشَرَة؟

إنّ الإجابةَ عن هذا السؤال تتطلّبُ أن نفهمَ أنفسَنا أوّلًا، ونعترفَ بنقاطِ ضعفِنا مثلما نعترفُ بنقاطِ قوّتِنا.

أن تكونَ أفضلَ نسخةٍ من نفسِك لا يعني أن تسعى إلى الكمال؛ فالكمالُ وهمٌ، ومطاردتُه قد تؤدّي بكَ إلى الإحباط. إنّما المقصودُ هو تطويرُ ما يُمكنكَ تطويرُه، وتحسينُ ما تستطيعُ تحسينَه، وتقبّلُ ما لا تقدرُ على تغييرِه.

إنّ كونكَ أفضلَ نسخةٍ من نفسِك يعني أن تستيقظَ كلَّ يومٍ وفي نيتِك أن تخطوَ خطوةً جديدةً نحو الهدفِ الذي ترسمُهُ لنفسِك، وألّا تتجاهلَ تغييرَ عاداتِك السيّئة أو تنميةَ مهاراتِك وتوسيعَ آفاقِك، مع تحمّلِ مسؤوليةِ قراراتِك كلِّها.

الأفكار المضلّلة عن الوصول إلى أفضل نسخة من نفسك

قبلَ الخوضِ في كيفيةِ الانتقالِ من نسخةٍ إلى أخرى أفضل، ينبغي لنا إزالةُ بعضِ المفاهيمِ الخاطئة. فهناك من يظنّ أنّ رغبتَنا في تغييرِ أنفسِنا نحو الأفضل دليلٌ على امتلائنا بالعيوب، وهذا ليس صحيحًا تمامًا؛ فقد تكونُ تلك الرغبةُ دليلًا على وعينَا ونضجِنا وحرصِنا على التطوّر. حتّى الذي يعيشُ في سلامٍ داخلي قد تخطرُ له لحظةٌ يشعرُ فيها بالحاجةِ إلى تحسينِ جانبٍ ما من حياتِه، سواء على المستوى النفسي، أو الجسدي، أو المهني، أو الروحي.

لا تكمنُ المشكلةُ في فكرةِ التغيير، بل في النظرةِ المشوّهةِ التي تعدّ أنّ السعيَ إلى التطوّر دليلٌ على عدمِ الرضا. هذه النظرةُ تدفعُ إلى جلدِ الذاتِ ومقارنةٍ ظالمةٍ بالآخرين، حين يعتقدُ الإنسانُ أنّه لا بدّ أن يكونَ مثاليًّا وخاليًا من العيوب كي ينالَ قبولَ الآخرين أو ليحبَّ نفسَه.

وهناك من يظنّون أنّ التغييرَ يحدثُ بين ليلةٍ وضحاها، متأثّرينَ بالعناوين البراقةِ في كتبِ تطويرِ الذاتِ التي تعدُ بـ"التحوّل في سبعة أيام" أو "كيف تكتسب الكاريزما في يوم واحد"، أو تلك التي تزعمُ إمكانَ تعلّمِ لغةٍ كاملةٍ في أسبوع.

ورغم حسنِ نيّةِ بعضها أحيانًا، فإنّها تروّجُ لوهمٍ شديد الْخَطَر مفادهُ أنّ التغيير قد يأتي بسرعةٍ وبجهدٍ ضئيل. في حين أنّ الحقيقة مختلفة؛ فالتحوّلُ من نسخةٍ إلى أُخرى أفضل يتطلّبُ الانضباطَ والاستمرارية، والتخلّصَ من العاداتِ القديمة، وبناءَ عاداتٍ جديدة.

أمّا من يتوقّع سهولةَ التحوّل وسرعتَه، فسرعانَ ما يصطدمُ بالواقع فيُحبطُ ويتركُ رحلتَه عند أولِ عقبة؛ لأنّ توقّعاتِه كانت ببساطةٍ غيرَ واقعيّة. أمّا من يدركُ أنّ التحوّلَ الشخصيّ أشبهُ بزرعٍ يحتاجُ سقيًا ورعايةً وصبرًا، فسوف يحصدُ النتائجَ في نهايةِ المطاف.

وفي السياقِ ذاته، يرى بعضُ السطحيّين أنّ التحوّلَ إلى نسخةٍ أفضل يقتصرُ على المظهرِ الخارجي، كالاعتناءِ بالهيئة، والنظامِ الغذائي، والموضةِ، واللياقةِ البدنية، متناسينَ أهميةَ تنميةِ عقولِهم، وكأنّ قيمةَ الإنسانِ تُقاسُ بظاهرِه فقط.

نعم، الاعتناءُ بالمظهرِ أمرٌ مهمّ وله دورٌ كبيرٌ في الثقةِ بالنفسِ والانطباعِ الأوّل، لكنّ التركيزَ المفرطَ عليه وإهمالَ بناءِ العقلِ والروح يجعلُ من الإنسانِ كالبنايةِ الجميلةِ من الخارج، المهترئةِ من الداخل.

يبدأُ التحوّلُ الحقيقيُّ من الداخل؛ من طريقةِ تفكيرِك، وقناعاتِك، ونظرتِك إلى نفسِك وإلى العالم. فمَا قيمةُ الجسدِ القويّ إن كان العقلُ ضعيفًا؟ وما نفعُ المظهرِ الأنيق إن كانت الشخصيةُ سطحيّة؟

لذا، إن كنتَ تريدُ أن تتحوّلَ إلى نسخةٍ أفضلَ من نفسِك، فاحذرْ فخَّ السطحيّة، واعتنِ بجسدِك، لكن ارمِ ببصرك أيضًا إلى عقلك، واقرأ وتأمّل وناقش وطوّر وعيَك، وصحّح أفكارَك المغلوطة.

بعضُ الناس، حين يرغبونَ في التحوّلِ أو الانتقالِ من نسختِهم الحاليةِ إلى نسخةٍ أفضل، يبدأونَ بمُقارنةِ أنفسِهم بالآخرين ويقولون: "أريدُ أن أصيرَ مثلَ فلانٍ أو علّان." وهذه بدايةٌ خاطئة؛ لأنّ مقارنةَ نفسِك بالآخرين لن تقودَك إلى أفضلِ نسخةٍ منك، بل إلى نسخةٍ مشوّهةٍ من شخصٍ آخر. لكلِّ إنسانٍ ظروفُهُ وإمكاناتُهُ، وما يصلحُ لغيرِك قد لا يصلحُ لك. فالرغبةُ في التحسّنِ لا تعني أن تصيرَ "مثلَ فلان"، بل أن تصبحَ "أنتَ" على نحوٍ أفضل، فتطوّرَ ما لديك بدلًا من تقليدِ ما لدى الآخرين.

قارنْ نفسَك بنسختِك السابقةِ فحسب، واسألْ: هل تقدّمتُ خطوة؟ هل تعلّمتُ شيئًا جديدًا؟ تلك هي المقارنةُ العادلة.

عوائق في طريق التحول إلى أفضل نسخة من نفسك

في طريقِ بناءِ نسختِكم الأفضل، قد تواجهونَ عقباتٍ عدّة، وهذا أمرٌ طبيعيّ يمرُّ به الجميع. لكنّ المشكلة هي أن تتحوّلَ هذه العقباتُ إلى جدارٍ لا يمكنُ تجاوزُه. فقد يقولُ بعضُ الناس عند رغبتِهم في التطوّرِ: "ما نطمحُ إليه أكبرُ من قدراتِنا." إنّه اعتقادٌ خاطئ ينطلقُ من وهمٍ لا من تجرِبة. فالإنسانُ لا يكتشفُ حدودَ قدراتِه الحقيقية إلّا حين يختبرُها.

والتحوّلُ إلى نسخةٍ أفضل لا يعني القفزَ الهائلَ من مكانِك الحالي إلى القمة، بل يعني أن تتقدّمَ خطوةً صغيرةً كلَّ يومٍ، ولو كان التقدّمُ بطيئًا.

المهمّ أن تتحرّكَ ولا تبقى جامدًا. الفرقُ بين من ينجحُ في تطويرِ نفسه ومَن يفشلُ ليس في القدراتِ، بقدرِ ما هو في الإصرار، في أن تقولَ لنفسِك: "ربما ليس لديّ الآن كلُّ ما أحتاج، لكنني أستطيعُ أن أتعلّمَ وأتطوّرَ وأنمو." إنّ العقلَ المؤمنَ بإمكانيةِ التحسّنِ قادرٌ على اختراقِ كلِّ الحواجز.

ربما يكونُ التسويفُ هو العائقُ الأكبر؛ إذ يكرّرُ الناسُ عباراتٍ مثل: "سأبدأُ غدًا"، "الوقتُ غيرُ مناسبٍ الآن." تبدو هذه العباراتُ منطقيّةً في الظاهر، لكنّها ليست سوى مبرّراتٍ نُهدّئُ بها ضميرَنا.

التسويفُ لا يقتلُ الأحلامَ دفعةً واحدة، بل يقضي عليها تدريجيًّا. وكلُّ يومِ تأخيرٍ هو يومٌ إضافيٌّ يمرّ دون تقدّم؛ فتبقى النسخةُ التي لا ترضى عنها جامدةً.

والمفارقةُ أنّ معظمَ من يُسوّفون أو يماطلون يعرفونَ ما ينبغي لهم فعلُه، لكنهم لا يملكونَ الشجاعةَ ليبدأوا؛ لأنّ البدايةَ صعبةٌ وتواجههم فيها مخاوفُهم وشكوكُهم. لذا ابدأوا الآن، ولا تنتظروا الظروفَ المثالية؛ فقد لا تأتي أبدًا.

وهناك آخرونَ لا يبدؤونَ في تحسينِ أنفسِهم خوفًا من عدمِ الوصولِ إلى مبتغاهم، أو خشيةً من سخريةِ من حولهم ممّن لا يفهمونَ طموحاتِهم ويُفضّلون البقاءَ في منطقةِ الراحة. هذا الخوفُ أحدُ أعداءِ النموِّ الشخصيّ الأكبر؛ فكثيرون يقفونَ مكتوفي الأيدي، مترددينَ في أخذِ الخطوةِ الأولى خوفًا من الفشلِ أو من سخريةِ الآخرين.

فضلًا عن ذلك، نجد أناسًا لا يفلحونَ في تحسينِ أنفسِهم؛ لأنّهم يُضيّعون أوقاتَهم مع أصدقاءٍ لا يضيفون لهم شيئًا، بل يمتصّونَ طاقاتِهم ويشغلونَهم في الأمورِ التافهة. لا يعني هذا أن يعتزلَ المرءُ كلَّ من حوله، بل أن يرسمَ حدودًا واضحةً ويختارَ صحبةً تحفّزه وتدفعه إلى الأمام.

نصائح سريعة لتصبحوا أفضلَ نسخةٍ من أنفسكم

  1. اعترفوا أنّ التحسّنَ يستغرقُ وقتًا ولا يحدثُ بين ليلةٍ وضحاها؛ إنّه يشبهُ زراعةَ شجرةٍ تحتاجُ سقيًا ورعايةً وصبرًا. هكذا الإنسانُ أيضًا، لا يصبحُ أفضلَ نسخةٍ من نفسه إلّا بخطواتٍ صغيرةٍ ومتدرّجة، وبالتزامٍ وإصرار، والنهوضِ دائمًا بعد كلِّ سقطةٍ أو عثرة.
  2. ابدؤوا بخطواتٍ بسيطةٍ تُراكمُ التقدّمَ مع الزمن. لا تنتظروا اللحظةَ المثالية، بل ابدأوا بما يمكنكم فعلُه الآن، حتّى لو كان تقليلَ بضعِ دقائقَ من استخدامِ وسائلِ التواصل، أو الاستيقاظَ أبكرَ بنصفِ ساعة، أو قراءةَ صفحةٍ واحدةٍ من كتابٍ كلَّ يوم.
  3. طوّروا عقولكم بلا انقطاع. القراءةُ غذاءٌ للعقل؛ فاخلقوا منها عادةً يومية، حتّى لو كانت دقائق معدودة، وانتقوا الكتبَ التي توسّعُ مداركَكم وتثري معارفَكم. واقرؤوا آراءً تُخالفُ قناعاتِكم أحيانًا، لأنّ ذلك يدرّبُكم على التفكيرِ النقدي وفهمِ أبعادٍ جديدة.
  4. تعرّفوا إلى نقاطِ قوتِكم وضعفِكم؛ فهذه المعرفةُ أساسُ بناءِ النسخةِ الأفضل من أنفسِكم. استثمروا نقاطَ قوّتِكم وطوّروها، وتصدّوا لنقاطِ ضعفِكم إمّا بالتطويرِ وإمّا بالتكيّفِ معها إن تعذَّرَ تغييرُها.
  5. لا تقارنوا أنفسَكم بالآخرين، بل استلهموا منهم. تقتلُ المقارنةُ الثقةَ وتشوّهُ رؤيتَكم لمساركم؛ لأنّكم لا تعرفونَ قصصَ الآخرين الحقيقية ولا ما خاضوهُ من تحدّيات.
  6. تعلّموا من الآخرين: راقبوا الناجحينَ وتصرفاتِهم وطرائقَ تفكيرِهم وتعامُلِهم مع الفشل، ولا تتردّدوا في طلبِ النصح والاستفادةِ من خبراتِهم. فالعاقلُ من يتعلّمُ من أخطائِه، والحكيمُ من يتعلّمُ من أخطاءِ الآخرين أيضًا.
  7. لا تهدروا أوقاتَكم في أمورٍ تافهة؛ فالوقتُ أغلى ما تملكون. راجعوا كيفَ تمضونَ يومَكم: كم تنفقونَ في الجدلِ العقيم أو التمريرِ العشوائيّ على الهواتف؟ اسألوا أنفسَكم: هل ما أفعلُه الآن يقرّبني من هدفي أم لا؟
  8. اعتنوا بصحتِكم الجسدية والعقلية؛ فهي الأساسُ لنموٍّ حقيقيّ ومستدام. حافظوا على ممارسةِ الرياضة بانتظام، ونومٍ كافٍ، وتغذيةٍ سليمة، وابتعدوا عن العاداتِ المدمّرة. وفي الوقتِ نفسه، اهتمّوا بصحتِكم النفسية بالتعبيرِ عن مشاعرِكم، ومعالجةِ أو التخلّصِ أو التخفيفِ من الخوفِ والتوتر، واطلبوا المساعدةَ عند الحاجة.
  9. انتقوا بيئتكم وصحبةَ مَن حولكم. تجنّبوا المُحبِطين والساخرين، وابحثوا عن أصدقاءٍ يؤمنونَ بقدراتِكم ويحفّزونَكم. فالمسيرُ نحو الأفضل قد يكونُ صعبًا، لكنّه يصبحُ أكثرَ متعةً حين نقتسِمُه مع من يُلهمنا.
  10. تعلّموا من أخطائِكم ولا تخجلوا منها. الخطأُ فرصةٌ للتعلّمِ وتعديلِ المسار؛ فالناجحونَ لم يكونوا على صوابٍ منذ البداية، بل تعلّموا من هفواتِهم وأعادوا المحاولةَ بخطواتٍ أقوى في كلِّ مرة.
  11. لا تسمحوا للناسِ بإحباطِكم؛ فآراؤهم قد لا تُظهرُ واقعَكم وظروفَكم. استمعوا فحسب إلى النقدِ البنّاء، ولا تدعوا أيَّ حُكمٍ سلبيٍّ يُثنيكم عن التقدّم. إيمانُكم بأنفسِكم هو وقودُكم الحقيقيّ، وعزيمتُكم هي سرُّ نجاحِكم.
  12. اطلبوا المساعدةَ عند الحاجة، فالقوةُ لا تكمنُ في العيشِ وحيدين أو في الصمت. قد يأتي الدّعمُ من صديقٍ مقرّبٍ، أو من مختصّ، أو ممّن جرّبَ ظروفًا مماثلة. السعيُ إلى العون لا ينقصُ من قوّتكم، بل يدلُّ على وعيِكم بحاجتِكم وطموحِكم إلى التقدّم.
  13. داوموا على التعلّم؛ فالعقلُ الراكدُ يشيخُ مبكرًا. استغلّوا الدوراتِ والكُتبَ ونقاشَ الأفكارِ للاستزادةِ من العلمِ وتطويرِ قدراتِكم؛ فالمعرفةُ توسّعُ آفاقَكم وتفتحُ أمامكم أبوابًا جديدةً للنجاحِ والإنجاز.

خاتمة

إنّ الانتقالَ من صورتِكم الحاليةِ إلى صورةٍ أفضلَ من أنفسِكم لا يحدثُ في لمح البصر؛ فهو رحلةٌ تحتاجُ إلى الصبرِ والجهدِ والإرادةِ الراسخة. قد تمرّون ببعض العقباتِ على طول الطريق، لكنّ المثابرةَ والإيمانَ بما لديكم من قدراتٍ سيُعينانِكم على المضيّ قُدمًا. وكما قيل قديمًا: "من جدَّ وجد، ومن زرعَ حصد"؛ فلتكنْ تطلّعاتُكم نحو العُلا حافزًا لكم على بذل ما يلزمُ من جهدٍ حتى تصلوا إلى مبتغاكم.