حين يُشاهدُ الإنسانُ مقطعًا تحفيزيًّا، أو يرى أشخاصًا حقّقوا نجاحًا في مجالاتهم، يقول في نفسه: “ينبغي لي أن أصنع مثلهم وأتّبع عاداتهم التي أوصلتهم إلى ما هم عليه الآن.” وعندئذٍ يَعِدُ نفسه بأن يبدأ صباحًا، لكنّه غالبًا ما يُرجئ أو يُؤخّر التنفيذ كلّ يومٍ حتّى يجد نفسه عالقًا في دوّامة التسويف، يُراقب الأيّام تمضي دون اقترابه من أهدافه. وتراه حينذاك يُبرّر التأجيل بأعذارٍ تبدو مقنعة ظاهريًّا، مثل: “سأبدأ غدًا”، أو “اليوم ليس مُناسبًا”، أو “سأباشر العمل عند تحسّن ظروفي”، أو “سأبدأ في أوّل الشهر”، أو “أحتاج مزيدًا من الوقت للتخطيط.” وهكذا ينقضي الزمن، وتبقى أحلامُه مجرّد أفكارٍ جميلةٍ تُراوده عند مشاهدة فيديو تحفيزيٍّ آخر، ليعود من جديدٍ إلى نقطته الأولى أو نقطة انطلاقة، كأنّه يدور في حلقةٍ مُفرغةٍ من الحماس المؤقّت والتأجيل الدائم.
في كلّ مرّةٍ يُؤجّل العمل، يشعر بوخزة ضمير، لكنّه يُطمئن نفسه بأنّ الفُرصة ما زالت سانحة، وأنّ باستطاعته البَدْء متى شاء. غير أنّ الحقيقة القاسية التي قد يغفل عنها هي أنّ التسويف لا يمنحه وقتًا إضافيًّا، بل يسرق منه الفُرص. وسيستفيق يومًا فيجد أنّ الوقت الذي ظنّه في متناوله قد وَلّى، وأنّ الأحلام التي راودته سنواتٍ طويلة لم تَعُد سوى أمانٍ لم تتحقّق. إنّ التسويف في حقيقته سارقٌ للوقت وليس مجرّد حالةٍ مِزاجيّة؛ فكلّما أجّلت ما ينبغي فعله الآن، ابتعدت عن أحلامك كما تبتعد الشمس عن الأرض، وحين تبتعد الشمسُ يخفت دفؤها حتّى يحلّ البردُ القارس، وكذلك أحلامك إذا ابتعدت بسبب التسويف؛ يخبو حماسها وتفتر حرارتها حتّى تُصبح ذكرياتٍ باردةً لا حياة فيها.
تعريف التسويف
ولعلّكم تتساءلون: ما التسويف؟ يظنّ كثيرون أنّه مرادفٌ للكسل، لكنّه في الواقع أعقد من ذلك؛ فكثيرًا ما نجد أشخاصًا نشيطين وطموحين يستسلمون للتسويف. والتسويف هو تأجيلُ عملٍ ضروريٍّ أو قرارٍ حاسم، مع أنّ صاحبه يُدرك أهميّته مسبقًا، ثمّ ينشغل عنه بأمورٍ تافهةٍ أو لا قيمة لها، مثل إدمان الهاتف أو تمضية الوقت في دردشاتٍ لا نفع فيها على مواقع التواصل الاجتماعيّ. فقد ترى المرء يُشغل وقته بأنشطةٍ أو علاقاتٍ لا تعود عليه بنفع، فيضيع منه الزمن وتتبدّد الفُرص التي قد يحتاجها مستقبلًا ولن يجدها.
أسباب التسويف
أمّا أسباب التسويف فكثيرة؛ منها الخوف من الفشل أو الخوف من النجاح نفسه، إذ قد يجلب النجاح مسؤوليّاتٍ وضغوطًا جديدة. ويعود التسويف أحيانًا إلى السعي وراء الكمال؛ فينتظر المرء الظروف المثاليّة التي قد لا تأتي أبدًا. وقد ينبع أيضًا من تفضيل اللذّة الفوريّة؛ فمواقع التواصل الاجتماعي، أو مُشاهدة المسلسلات، أو لعب ألعاب الفيديو تمنح تسليةً سهلةً دون تحمّل أعباء كبيرة، في حين تتطلّب الأهداف الكبُرى وقتًا أطول وجُهدًا متواصلًا، ما يُحدِث فجوةً بين لذّةٍ عاجلة وعناءٍ مستمرّ.
وقد ينشأ التّسويف من قلّة الثّقة بالنّفس أو الشّكّ في القدرة على الإنجاز؛ فيلجأ بعض النّاس – وكنت أنا منهم في مرحلةٍ سابقةٍ من حياتي – إلى تأجيل الخطوات بدلًا من مواجهة المخاوف. وقد يكمن السّبب أحيانًا في غياب خطّةٍ واضحةٍ أو رؤيةٍ محدّدةٍ أو ثابتةٍ للمستقبل؛ إذ إنّ من لا يعرف مساره قد يُسَوِّف هربًا من التّفكير في الطّريق الطّويل. وهُناك آخرون لا يتقنون إدارة الوقت، فتتكدّس عليهم المهامّ، سواء كانت مهمّة أم ثانويّة، ويضيع وقتهم في أمورٍ طارئةٍ أو أقلّ أولويّة، ما يُبدّد تركيزهم ويُبقِيهم بعيدين عمّا ينبغي فعله حقًّا.
تتفاقم المشكلة أكثر في مجتمعاتٍ لا يحترم أهلها قيمة الوقت، وتشيع فيها عباراتٌ مثل: “لا يزال أمامك متّسع!” أو “ما زال الوقت متاحًا!” أو “ما تنوي فعله لن يهرب!” فينشأ لدى المرء إحساسٌ خاطئٌ بوفرة الوقت، ويفقد الوعي بأهميّته تدريجيًّا. وتتعمّق هذه الآفة عندما يكون المحيطون بك أشخاصًا يسخرون من أهميّة الوقت أو يحثّون على التسويف والتأجيل. وكثيرًا ما يلجأ بعضهم إلى نشر ثقافةٍ تثبّط الهمم، متذرّعين بأنّ الفشل الجماعي أهون من الفشل الفرديّ.
كما تُطرح أعذارٌ واهيةٌ لتبرير التسويف، كأن يقول أحدهم: “مزاجي اليوم ليس جيّدًا” أو “لا أستطيع العمل في هذا الجوّ”، ما يفضح مُحاولة الهروب من الواقع. فكلّما تأجّلت المهامّ بسبب الحالة النفسيّة أو أعذارٍ واهيةٍ أو كاذبة، تعاظمت صعوبة العودة إلى المسار الصحيح. وقد يزعم آخرون أنّ لديهم “متّسعًا من الوقت”، في حين يُظهر هذا جهلًا حقيقيًّا بقيمة الزمن وفرصه. فالوقت وإن بدا متاحًا، فهو ينقضي بسرعةٍ إذا لم يُستغلّ. وبعضهم يدّعي أنّه يُنجز عمله أفضل تحت الضغط، غير مُدركٍ أنّ الجودة والإبداع غالبًا ما يتراجَعان في ظلّ الضغوط، وهذا استنتاجٌ توصّلت إليه انطلاقًا من تجربتي الشّخصيّة. ومنهم من يُؤجّل المهامّ بحجّة وجود أولويّاتٍ أُخرى، لكنّهم يستخدمون ذلك للتنصّل من الأعمال الأكثر أهميّةً أو الأصعب تنفيذًا.
لا يقتصر تأثير التسويف على الفرد وحده؛ بل قد يُهَدِّد نموّ المجتمع برمّته. فتأجيل الأعمال يعوق سير المؤسّسات، ويُؤدّي إلى تأخّر تنفيذ المشروعات، ويخلق فوضى في التنسيق العام بين الأفراد والفرق. وإذا اعتاد الناس التأجيل وطال بهم الزمن على ذلك، تسرّب اليأس إلى نفوسهم، وفقدوا الثقة في إمكانيّة التقدّم، وظلّوا ينتظرون “مخلّصًا” أو منقذًا خارجيًّا يُؤدّي عنهم ما بإمكانهم إنجازه أو فعله لو اتّحدوا ووعوا أهميّة الالتزام.
نصائح عمليّة للتخلّص من عادة التسويف
إليكم النصائح:
- لا تنتظروا الوقت “المناسب”
إنّ انتظار اللحظة المثاليّة مُجرّد وهم؛ فالظروف لا تكون مثاليّةً في أغلب الأحيان، والحياة مليئةٌ بالتحدّيات. إذا انتظرتم الفُرصة الكاملة، سيظلّ التأجيل رفيقكم. فالوقت المناسب هو الآن. - ابتعدوا عن المشتّتات
فهي تسرق وقتكم وتُضعف تركيزكم على المهامّ المهمّة. في عصرنا الحاليّ، أصبحت المشتّتاتُ جزءًا لا يتجزّأ من الحياة اليوميّة، كوسائل التواصل الاجتماعيّ والمحادثات الهامشيّة، وكلّها قد تحول دون إنجازكم لأيّ عملٍ بكفاءةٍ وفي وقتٍ مناسب. - حدّدوا أهدافًا واقعيّة
اختروا أهدافًا تتوافق مع قدراتكم ومواردكم، كي لا تشعروا بالإحباط. فبالرغْم من جاذبيّة الأهداف الكُبرى، فإنّها إن كانت تفوق طاقتكم كثيرًا، قد تُسبّب لكم الإرهاق وتُثبّط عزائمكم. - قسّموا الأهداف الكبيرة
إذا أردتم تعلّم لغةٍ جديدة، فابدؤوا بخطواتٍ صغيرة مثل حفظ عشر كلماتٍ يوميًّا، والاستماع لمدّة ربع ساعة، والتدرّب على الكتابة لبضع دقائق، والتحدّث مع ناطقيها أو أصحاب اللغة إن أمكن ذلك. - فكّروا في العواقب
إنّ تأجيل الأعمال يتسبّب في تراكمها وزيادة الضغوط النفسيّة. وقد تفقدون فُرص نجاحٍ كثيرة إذا واصلتم التسويف، مثل التأخّر في الاستعداد لامتحانٍ مهمّ أو في مشروع عملٍ حاسم. - استخدموا تقنيّات إدارة الوقت
جرّبوا، مثلًا، تقنيّة بومودورو التي تقوم على تقسيم العمل إلى فترات (25 دقيقة) تتّبعها راحةٌ قصيرةٌ (5 دقائق)، أو اتّبعوا مصفوفة أيزنهاور لتحديد الأولويّات بوضوح. - تخيّلوا الفوائد
إنّ التخلّص من التسويف يُضاعف إنجازاتكم ويُحسّن جودة حياتكم؛ إذ يصير بلوغ أهدافكم الشخصيّة والمهنيّة أقرب منالًا وفي مدًى زمنيٍّ أقصر. - ابتعدوا عن المُحبِطين
الأشخاص الذين لا يعملون على تحقيق طموحاتهم قد يُثبّطون حماستكم ويجرّونكم نحو الكسل. لذا احرصوا على اختيار بيئةٍ تُشجّعكم على الإنجاز. - اختاروا مكانًا هادئًا
ابحثوا عن مكانٍ هادئٍ بعيدٍ عن الضوضاء، لا سيّما إذا كانت طبيعة عملكم تتطلّب التركيز والإبداع. فالبيئة المُربكة تُشتّت الفكر وتعوق الإنتاجيّة. - كافئوا أنفسكم
كلّما حقّقتم هدفًا أو أنجزتم مهمّة، امنحوا أنفسكم استراحةً قصيرةً أو تناولوا وجبةً تُحبّونها. هذه المكافآت تُعزّز الدافعيّة وتُقلّل من احتماليّة العودة إلى التسويف. - اقرؤوا
تُوسّع القراءة آفاق الفكر وتُنمّي القُدرات الذهنيّة والإبداعيّة. فهي تُحسّن التركيز وتُقوّي مهارات التحليل والنقد، ما يُعينكم على اتّخاذ قراراتٍ أفضل وإدارة وقتكم بفاعليّة، كما قد تمدّكم بأفكارٍ وأدواتٍ للتغلّب على التسويف.
زُبْدَةُ الْمَوْضوعِ
لعلّكم تظنّون أنّ التسويف ظاهرةٌ وُلِدَت في عصرنا الحديث، لكنّه قديمٌ قِدَم البشر. فهو سارقٌ للوقت، وقد حذّر منه العديد من المفكّرين والحكماء والشُعراء في مُختلف العصور. ولا ريب أنّه من أكبر أعداء النجاح؛ إذ يُوهمنا بأنّ تأجيل العمل إلى الغد أمرٌ هيّن أو لا بأس فيه، في حين قد لا يأتي ذاك الغد قطّ، وقد نُفارق الحياة قبل أن نبلغه. قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في هذا السياق (أي التسويف): “القوّة في العمل أن لا تؤخّروا عمل اليوم إلى الغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال.”
وعبّر الشاعر ظافر الحداد عن هذا ببيته الشعري:
لا تَكِلْ لذّةً إلى التسويفِ *** وانتهزْها بالفعلِ قبلَ الصُّروفِ
وعليه، لا تنسوا أنّ التسويف من أشدّ وأفتك أعدائكم؛ فهو يسرق منكم أغلى ما تملكون: الوقت، ويُضيّع عليكم فُرصًا قد لا تتكرّر. وكلّما أجّلتم ما يجب فعله اليوم، ابتعدتم عن أحلامكم كما تبتعد السماء عن الأرض.
